مقالات

في مهنة المتاعب (3)

محمدُّ سالم ابن جدُّ

تطبع الصحف الآن وتصمم وتنفذ في مكاتبها على حواسيب مزودة بالبرامج المناسبة، فتوضع العناوين والصور والتعليقات والاستخراجات في مواضعها وبأحجامها وأشكالها المرْضية، ثم تسحب على ورق شفاف (كالك) فتسلم إلى المطبعة جاهزة للتحويل إلى صفائح الزنك فالسحب.
أما في الماضي فكان الأمر بعيدا من هذا. كانت المادة تطبع حروفا من رصاص يعاد صهره عند الخطأ – وبعد الاستخدام- ليتاح استخدامه من جديد. ولأن هذه الطريقة كانت تنتج مادة بحجم واحد فقد كانت الصحف تلجأ إلى خطاط (إنسان) لكتابة العناوين.
واستمر الأمر كذلك في موريتانيا حتى بعد حوسبة الصحف بحوالي عامين، حيث كانت الأعمدة تقص وتلصق على موائد معدة للمهمة وتترك الفراغات للصور، ولكن بعد تركيب التعليقات التي تصاحبها في أماكنها المفروضة.
ومن الآثار الجانبية لما وصفته أن توضع صورة أحيانا في غير موضعها فيبدو تنافرها مع التعليق مضحكا!
أذكر أن جريدة “الشعب” صدرت مرة وفي إحدى صفحاتها صورة لأحد زملائنا زاغت عن مكانها المناسب إلى خبر عن جهاز تبريد يعمل بحرارة الشمس، وتحت صورة صاحبنا تعليق يفيد بأنه الجهاز المذكور!
غضب الرجل وسحب صوره من أرشيف الجريدة، ومع ذلك صدرت في محل صورته – عند الاقتضاء- صورة للسيدة فاطمة بنت عبد الوهاب (كان لها ركن في الجريدة آن ذاك) وهو ما اعتبره اعتذارا ضمنيا عما سلف.
وفي عام 1992 أجريتُ للجريدة ذاتها مقابلة مع “شمشون العرب” وصاحبتها إلى المطبعة صورتان: إحداهما لي والأخرى للرجل تحت عجلة شاحنة. وكان المفروض أن صورتي جانبية وأن صورة الموضوع الأساسية هي صورة المعني في الوضع المثير، لكن المخرج والمركبين وضعوا الصورة الأساسية في ختام المقابلة مع تعليق صغير؛ بينما وضعوا صورتي إزاء العنوان الذي كان جملة من كلام “شمشون” في المقابلة، وزادوا الطين بلة ففصلوا بينها وبين اسمي باعتباري من أجرى المقابلة. لذا ضللوا بعض المتلقين فاعتقدوا ان “شمشوم (كما يسمونه) اطفل من البيظان!”.
وفي العام نفسه – أو تاليه- كان في أحد أعداد جريدة “البيان” موضوع عن أحد مشاهير الغناء الموريتانيين (الأحياء) وآخر عن عجوز بائسة فما كان منهم إلا ان وضعوا كلا موضع الآخر ببساطة فجاء الآمر في درجة عالية من الغرابة.
في تلك الحقبة حل اليوم الوطني لدولة عربية لم تكن مناصرتها محل إجماع في تلك الأيام فاستأجرت سفارتها بانواكشوط صفحة من إحدى كبريات الصحف لتخليد المناسبة، وإبراء لساحة الصحيفة ومسؤوليها من تمجيد تلك الدولة أرادوا إعلانها دعاية معوضة، ولكن الألف سقط فأحيطت الصفحة من جهاتها الأربع بسلسة من عبارة “دعية معوضة” وهكذا وقع الفأس في الرأس!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى