مقالات

إلى داكار.. طريق الآلام والآمال

محمدُّ سالم ابن جدُّ (من دكار)

حينما يقرر أغلب الموريتانيين عبور حدود بلادهم استشفاء أو استجماما فإن الوجهة الأولى لأغلبهم هي السنغال الشقيق، لأسباب كثيرة منها القرب المكاني، والألفة، والأواصر بين الشعبين، وسهولة التفاهم، وبساطة التنقل بين الدولتين الذي يمكن ببطاقة التعريف الوطنية..

في هذه السطور نتتبع من داخل السنغال مسار الموريتانيين ودوافعهم ومعاناتهم وغير ذلك؛ مع التركيز على جانب الاستشفاء لأهميته وكونه السبب الأول في القدوم إلى هنا.

صعوبات وعراقيل
إجراءات العبور سلسة ومنسابة في الغالب، لكنها قد لا تخلو من منغصات من نوع أو آخر..
أول صعوبة يمكن أن تواجه عابر النهر جنوبا هي كون التاريخ المدون على بطاقة تعريفه قد انقضى. صحيح أنه ببلادنا مُدِّدت صلاحية بطاقات التعريف عامين إضافيين، لكن السلطات هنا (بالسنغال) لا تعترف إلا بما هو مكتوب على البطاقة نفسها، ولا أعلم هل صدر إشعار رسمي إليها بهذا الخصوص.
لك أن تتصور معاناة المرضى والصغار والضعفاء جراء العرقلة الناشئة عن بطاقة تعريف منتهية الصلاحية حسب ما هو مدون عليها، وكثيرا ما تكون التسوية غرامة يدفعها طالب العبور بعد وقت مهدور ربما مَرّ تحت الشمس أو الريح أو المطر.
بعض القادمين إلى السنغال قد يكون مصحوبا بأطفال، ومنهم من يتهاون أو يقصر في إتمام الإجراءات القانونية اللازمة ما لم يكن المرافق الأب، مع أنه قد لا يكون مُهَرِّب أطفال ولا ذا قصد سيئ بالضرورة؛ وبالتالي يعاني الأطفال بدنيا ونفسيا، في ظروف غير مناسبة أحيانا.
من هذا القبيل صرّافة متجولون يعترضون الذاهبين والآئبين عارضين سعرا مغريا، لكن منهم من يخفي بعض نقود الضحية في لمح البصر، أو يخادعه في الحساب، فإذا لم يفلح في أي منهما تملص منه بإنكار السعر المتفق عليه وادعاء سعر بخس لا يرضى الزبون به في الغالب، وإن رضي فهي فرصة الصراف أيضا.
ومنه مرافقون وحمالون ينتزعون الأمتعة من أصحابها انتزاعا، ويفرضون أنفسهم؛ شاء من شاء وأبى من أبى، وفي النهاية يطلبون تعويضا مبالغا فيه يشعر من دفعه بالغبن ويؤنبه ضميره إن لم يدفعه.

في الطريق
الطرق هنا معبدة، وإشاراتها وخطوطها سليمة، والحد الأقصى لحمولة سيارة بيجو 504 ونظائرها سبعة أشخاص؛ واحد في المقدمة وصفان يحوي كل منهما ثلاثة أشخاص. والأرض هنا سليمة معافاة من فوضى التملك القسري والاستيلاء الجشع اللذين ابتلى الله بهما بلادنا التي لا يساوي تعداد جميع سكانها إلا ذوي العاهات من هؤلاء، وتفوق مساحة أرضها كثيرا مساحة الأرض هنا. وفي الطرق يتساير المشاة والقطارات والسيارات جنبا إلى جنب (وأحيانا وجها لوجه) دون أن يعرقل أي منها مسار غيره.
السيارات الناقلة من طُرُزٍ قديمة اختفت من موريتانيا منذ زمن، كبيجو ورينو.. أما هنا فتجوب السنغال في رحلات بطيئة لو وزع زمانها على المسافة لما تجاوز نصيب الساعة 50 كيلو مترا، وكان يمكن أن يكون الزمن أطول لولا جودة الطريق وأن السائق نادرا ما يتوقف، وإذا توقف فلداع أمني كتفقد الكابح وقارورة الإطفاء والتأمين والفحص التقني، أو لإشعاره في الوقت المناسب بحادث أو خلل في الطريق، لكنه لا يلج مراكز الأمن ولا يضيع الوقت في المساومات.

معالم وملامح
من الحدود إلى داكار (حوالي 400 كم) تتوالى المدن والقرى والفراغات على امتداد الطريق مما يطول استقصاؤه، لكني أشير إلى بعضه..
على مشارف اندر (سان لويس) مثلا يلوح هَلّارْ فأترحم على الشيخ ولد مكي وأحَيّي هلار نيابة عنه، ثم أعبر اندر (سبق أن أفردتها بمقال مستقل نشر هنا) وتتوالى القرى والمدن، وحين أمر باللوگه تثور الشجون فأطوي الزمان إلى مراهقتي حين قضيت فيها شهورا من عام 1977.
بعد اللوگه يمر المسافر بانگنبه، مثوى الحضرمي بن الشيخ سعد أبيه (رحمهما الله) الذي يقول فيها وفيه:
يا رحمةَ الله إنَّ انگُنبَ تطْلُب ما ** به تجودينَ من عفو وغفرانِ
ومن نعيمِ إلى قبرٍ توطَّنَها ** ومِن سرورٍ ومِن رَوْحٍ ورَيْحانِ
قبرُ البُنَيِّ الذى بِبِرّه شهدتْ ** كلُّ المعارف منْ أهل وجيرانِ
فاغفرْ كبائرَه واغفِرْ صغائرَهُ ** واغفرْ لِزائره من كُلِّ إنسانِ
.. إلخ.
“گُنبَه” لفظ ولفي معناه العَمى، ومن الناس من يقول إن معنى انگُنبَه مدينة العُمْيِ، كما يقال إن أصل تسمية “اللوگه” أن رفقة تخلف أحد أفرادها إعياء فجلس وقال: “لوگنا في” (تعبتُ هنا) واستقر هناك فكانت نشأة المدينة. والله أعلم.
من مدن الطريق كبمير؛ مكان الاستراحة المفضل للمسافرين بين الحدود وبين داكار، نظرا لموقعها القريب من منتصف الطريق. تتخذ كبمير تمثال فرس شعارا لها؛ لذا فمن المسافرين من يسميها مدينة الفرس.
ومنها انجاي ميخي؛ وهي مدينة الأساكفة، فصناعة النعال فيها ثقافة وهوية واقتصاد، وقد بَرّز بنوها في هذا المضمار بداكار وغيرها، كما برّزت بنات اندر في طبق الأرز بالسمك في مختلف البلدان.
على مشارف تيواون يبدأ التعايش الحذر بين سكك الحديد وطرق السيارات المعبدة، ويستمر إلى داخل داكار، ويبلغ التشابك ذروته في كيص (thèis) المدينة التي قال بعض الموريتانيين قديما إنها “امْجَرْيَه فيها مَكينَه” تعبيرا عن تعدد وسائل المواصلات الميكانيكية فيها وتشابكها. هذا بعد ما اختفت حركة القطار بين اللوگه والحدود الموريتانية.
على مدى 40 كيلو مترا التي تلي دكار يتكاثف العمران والمرور، وتتعدد الأسماء: جامياجو (لفظ بولاري معناه: العافية هنيئة) برينيي، ريفسك، زاك امباو، افاص امباو، سيكاب امباو، ابتي امباو، اگران امباو، جام أگٍن (لفظ ولفي معناه: العافية أفضل) كر امباي فال، كر مصار، مليكة، يمبل، گجواي، شاروي، بيكين.. إلخ) فتشق السيارة طريقها بصعوبة؛ وهو ما صرت أتجنبه حين بدأ القطار السريع العمل بالعدول إليه وإكمال رحلتي على متنه، في وقت قصير وبراحة بال.

دوافع ومستشفيات
يأتي الموريتانيون هنا لعلاج الأمراض الباطنية، وأمراض الجهاز العصبي، والمسالك البولية، والجهاز الهضمي، والسكري.. إلخ، لكني لم أجد هنا من جاء من بلادنا لعلاج أمراض أخرى كالسرطانات، وأمراض الصدر، والقلب والدورة الدموية، ولم أعلم به. كما يندر القادمون هنا لعلاج العيون.
يتوزع هؤلاء بين مؤسسات كثيرة أشهرها عيادة الشيخ أنت جوب (خصوصا في عهد ابير انجاي) ومستشفى افان الجامعي، وعيادة ابلاتو الصحية (Plateau Medical) ومستشفى دانتيك (Dentec) قبل هدمه الحالي لإعادة بنائه، وما أدى إليه من توزيع أقسام المستشفى بين عدة مؤسسات، والمستشفى الرئيسي (Principal). وعيادات من قبيل بلفي (Clinique bellevue) وديكاب (Clinique Du cap) وكازا هاوس (casahaous) واغلوبال مديكال (Global Medical) وعيادة باستور، وعيادة مادلين (Clinique Madlene) ومستشفى اگران يوف الجهوي (Hopital Regional Grand Yoff) ومستشفى واكام العسكري (Hopital Militaire De Ouakam).. إلخ.
أما الفحوص والتحليلات فمن أبرز مقاصد الموريتانيين من أجلها عيادة الرحمة؛ وتقع في الجزء الغربي من العاصمة داكار، ومعهد باستور ذو المرجعية الفرنسية، ومخبر Bio 24 ذو المرجعية البلجيكية، ويقعان في الطرف الشرقي منها، وعيادة السنغال العصرية للتصوير الطبي (Imodsen) في الطرف الغربي منها.
رسوم استشارة الأطباء هنا لا تختلف بين مؤسسات القطاع العام وضرائرها في القطاع الخاص، ويمتد أمدها أسبوعين اثنين يمْكن وصْل الطبيب فيهما اعتمادا على وصلها متى شاء المرء، دون دفع مجدد.
وحتى الأمس القريب ظلت تستأثر بنصيب الأسد من مواطنينا عيادة الشيخ أنت جوب، حيث اشتهر الدكتور ابير انجاي (رحمه الله) ولعل عيادة اغلوبال مديكال حلت محلها الآن، حيث الدكتور مرتضى كَاهْ الذي برّز في علاج الأمراض الباطنية.

ابير انجاي..
إبراهيم انجاي إنسان ودود لطيف حلو المعشر، وأحد مشاهير أطباء غرب إفريقيا، عمل بعد تقاعده في مستشفى الشيخ أنت جوب بداكار فغلب اسمه على المستشفى (ابير انجاي) وقد منَّ الله به على الموريتانيين الذين يرتمون على رصيف عيادته ليلا، منهم من يبيت، ومنهم من يجازف بالذهاب إليه بعد انتصاف الليل انتظارا لحضوره الذي يسبق الفجر مراعاة لحالهم، فإذا حانت الصلاة توقف عن استقبال المرضى حتى يؤديها. جئته مرة بمريض كان ترتيبه السابع فقابلناه وعدنا إلى حيث نقيم بابلاتو (شرقي المدينة) قبل طلوع الفجر الصادق! وتكرر نحو هذا مرة أو مرتين.
يستقبل المريض عند الباب ويصغي إليه بأناة، ويداعبه تخفيفا عنه، وإن كان صغيرا أهداه الحلواء، ثم يشيعه إلى الباب، وهناك يستقبل مريضا آخر.. وهكذا. لا يضجر ولا يتبرم. يؤانس الزائر حسب مستواه ومنطقته؛ فيسأله عن البادية واللبن واللحم أو “الگيطنه” أو المدينة أو العمل.. حسب ما يتوسم من حاله، فإن رآه ذا ثقافة خاض معه في أمور التاريخ والحضارة، وما وعاه من تاريخ جده لأمه دودو سك (ولد ابن المقداد) وكثيرا ما ذكر حقبة من شبابه عاشها في بلادنا في كنف عمه سيد المختار انجاي. وكان مقصدا للأمراض العصبية أساسا، وظل كذلك حتى وفاته 2020 رحمه الله.

.. و”التبتابة” أيضا
هنا يمتهن بعض الموريتانيين مرافقة المرضى وإرشادهم والتخير لهم وترتيب المواعيد لهم، منهم من يقوم بالمطلوب بأمانة فيخدم المريض ويسهل مرامه، لكنّ بعضهم من أكبر منغصات الاستشفاء هنا، لما يطبع سلوكهم من تقصير ونقص في الأمانة؛ فمنهم من لا يربأ بنفسه عن غش ولا خداع. (عافانا الله وإياهم). وأخف ما يصدر منهم أن ترى أحدهم فردا في الصف ثم يتمخض عن عشرة أشخاص ينامون في أماكنهم إلى أن يحين الوقت فيستقدمهم بالهاتف تباعا ليقابلوا الطبيب وينصرفوا قبل الذين باتوا على الرصيف!
قد تجد في مستشفيات داكار موريتانيا شاحبا يتحدث بألسنة مختلفة، فلا تشك في كونه أحد المرضى، لولا أن نشاطه وصولاته وجولاته في المكان أدلة على معافاته.
يغش في الطابور، يخوض في الفحوص والتحليلات والأدوية من نواح مختلفة، يرى نفسه مشرفا على العمال والممرضين..
ثم تستبين أنه أحد ممتهني مرافقة المرضى، وقد جاء مصحوبا بعدد منهم مختلفي الأعمار والجنس والأمراض، وله على ذلك أجر معلوم ومجهول.. إنه “الصمصار” كما يسميه بعضهم.
تفهم سبب مظهره (عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه) فترق له حتى تكاد تسأل الله أن يبارك له في كسبه، ثم تتذكر أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
بقي القول إن من يصل هنا ليس كل ناشدي العلاج في السنغال من الموريتانيين؛ فمنهم من يقتصر على ريشاتول أو على اندر أو كيص.. أو غيرها.
أخيرا أسجل هنا للأمانة أني أتردد على السنغال بانتظام منذ صدر عام 2015 ولم أجد موريتانيا واجه مشكلة هنا بسبب كونه موريتانيا، ولكن كثيرا ما نشأت مشكلات من عدم الاحتياط والتعجل وإهمال التفاصيل.. وما إلى ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى