تحقيقات

داكار.. جولة عابرة

محمدُّ سالم ابن جدُّ (من دكار)

حين أتمشى بمفردي هنا في شارع الأمين گي أو فيديرب أو توليبياك أوعلى الكورنيش.. أو غيره، فقد أبدو للناظر وحيدا غريب الزي والوجه واليد واللسان (الأصلي) لكن الحقيقة خلاف ذلك؛ فحاجز اللسان لا يعترضني هنا، ثم إني على خطى أعلام ذوي مشارب مختلفة أتوا قبلي من حيث أتيت ومروا من هنا وتركوا ذكرهم وذكراهم، ومنهم من استقر حتى ضمته المقابر هنا.

وفي زمان مضى كان الشارع هنا موريتانيا، لأن المتاجر تمتد على طوله، وفي كل متجر موريتاني على الأقل؛ وهو ما يعني أن الزائر الموريتاني غير غريب ولا خوف عليه من الضياع.

مدينة لا تنام

بعد يوم مر في التنقل بين العيادات والمخابر يطيب الاسترخاء في الشرفة ومسامرة القمر.

اصطحبت إلى هنا ملابس الشتاء ووسائل التصدي للبعوض دفاعا وهجوما، وكان سروري عظيما لانعدام البعوض هنا وعدم وصول الشتاء بعد.

من خلال الغيم يطل القمر بين الفينة والأخرى فإذا حمّلته التحية إلى أحبتي غاب كأنما ليبلغهم ثم عاد.. لكن دون رد!

هنا يشعر من نام في شرفة العمارة التي تعودتُ النزول بها أنه في الشارع، لأن قرع النعال لا يبرح أذنه طيلة الليل. وزاد الحراكَ الآن السباقُ المحموم إلى البلديات التي نعيش هنا حملتها الانتخابية. وحسب أقل التقديرات فإن عدد سكان المدينة يفوق مليون نسمة، ويزورها يوميا مليون ثان ممن يقيمون خارجها، ثم ينصرفون مساء إلى مدنهم وقراهم.

أما عدد الشعب السنغالي فهو 16.74 مليون نسمة،  94 % منهم مسلمون.

معالم..

قرب العيادة التي أتردد عليها تطالع العابرَ محطةُ القطارات (“الگار” كما كانت تسمى) “تحدّث أخبار القرون التي مضت” دون أن تنال من أناقتها. أحالتها الأيام إلى التقاعد حين أخلى قطار السكة المجال لقطار النفق، فلم أر زائرا يزورها الآن، لكنها كانت محجا في عقود خلت، ودخلت فصيح الأدب وشعبيه من أبواب متفرقة ليس أصغرها ولا أقلها شأنا المختار بن حامدٌ (يا راكبا يطوي القطار به الفلا..) والغطمطم (ذا الگارب عِبْرَه عُودْ عُودْ..) وسيديا ولد هدار (حد اصبح فاندكار..) وغيرهم من الموريتانيين الذين خلدت مواهبهم ما حَرَمَ المحتلُّ منه بلادَهم.

دار القضاء

في الطرف الجنوبي من المدينة تقف دار القضاء حائرة وقد رحل عُمَّارها الأقدمون وهجرها الأحياء فلم يغن عنها موقعها وعظم مساحتها وتعدد طوابقها. كأنما ترمق قاصدي عيادة “بل في” ومغادريها، وتود لو سألتهم عمن ألفتهم وافتقدتهم.

هنا رافع المرحوم المختار ولد داداه شابا متدربا، ثم محاميا معتمدا، ومن هنا مرت نزاعات ذات ألوان وروائح وطعوم مختلفات، ولم يبق غير الذكريات. ولعل في الأرشيف (إن كان محفوظا) جزءا مهما من نزاعات تاريخية هاجت في بلادنا وكان الفصل فيها هنا.

السفارة

عند الاقتراب من سفارة موريتانيا (في الناحية الأخرى) يميزها القلب قبل العين. بناية عادية بسيطة في شكلها بيضاء من غير سوء، تقف في إباء بين باذخات المباني. حين رأيتها أول مرة (2015) انجذبت إليها، ولم أفهم السبب إلا حين تبدّى علم بلادي من وراء إحدى النخلات المهاجرة المنتصبات أمام المدخل.

من هناك يتراءى نصب الاستقلال (Monument) رمز وحدة السنغاليين  وتتويج سيادتهم على أرضهم. وتعبيرا عن هذا حمّلوه بالفرنسية ما ترجمَته “شعب واحد، روح واحد، هدف واحد”.

يتدرج المصرف المركزي لغرب إفريقيا في اتجاهين ويتسنمه الهيكل العظمي للسمكة، الذي اتخذه القوم شعارا لعملتهم.

هذا المبنى من أحسن ما شاهدت من تصميمات المباني في داكار.. وفيها الحسن.

افَّانْ.. والمستشفى

على الطريق الموازي حي افان(fann)  وقد اشتهر بمستشفاه الجامعي ذي الأقسام الكثيرة، وكل منها بمثابة مستشفى قائم بذاته؛ فهو يجري عملياته في مقره، خلافا لمستشفيات عرفتُها يشترك أغلب أقسام أحدها في غرفة واحدة للعمليات الجراحية.

يغطي المستشفى مساحة كبيرة من منطقته (افان) وتشقه الطرق المعبدة وتجوبه السيارات دون توقف؛ وهو ما جعله بمثابة حي من أحياء العاصمة داكار، وفي أحد أرجائه تقع وزارة الصحة فيما يمكن اعتباره نموذجا لتموقع وزارات الخدمات، أو تقريب الإدارة من المواطن.

ذكريات

قبل سنوات أُجْرِيَتْ لي بهذا المستشفى عملية جراحية في العمود الفقري (عافانا الله وإياكم) فقضيت على أحد أسِرَّته ستة أيام (واحدا قبل العملية وخمسة بعدها) كنت خلالها آخر مستفيد من خدمة الممرضين ومن عناية الأطباء، ولم أشعر بالغبن مع ذلك! فبمقتضى الترقيم كانت غرفتي آخر غرف الحجز بقسم الجراحة العصبية، وكان سريري آخر أسِرّتها، والتفقد والعلاج يجريان حسب تسلسل الأرقام؛ لذا فلم يكن لدى الأطباء والممرضين ما يفعلونه بعدي إلا دخول غرفة استراحتهم الملاصقة.

غرب المستشفى تنتصب دومة (تيدومة) ضخمة ذات منظر منفر، تصلح رمزا لمحاربة البدانة. تسليت يوما بالتقاط صورة لها بعد خروجي من المستشفى.

الجامع الكبير

في عام 1964 افتُتح مسجد داكار الكبير (أو مسجد الحسن الثاني) الذي شيد وفق الطراز المغربي الأندلسي، وصممه مهندسون مغاربة وفرنسيون. يتسع المسجد لثلاثين ألف شخص، وترتفع مئذنته 67 مترا، وقد ألحقت به قاعات لتعليم اللغة العربية وبعض الأنشطة، وحين أسس المعهد الإسلامي بداكار عام 1974م ألحق به أيضا.

ذات مرة فاتتني جمعة الجامع الذي يجاور محل إقامتي فقصدته ضمن عدة أشخاص، وصلينا فيه ولم يستوف طاقته، وحين قضينا الصلاة وجدنا صعوبة في الخروج لشدة الزحام، ثم نظرت فإذا الخارجون منه بمثابة مظاهرات هادئة تملأ الشوارع!

وفي سبعينيات القرن 20م أقام المغرب الشقيق مسجدا بانواكشوط لا يختلف تصميمه وملامحه عن الجامع الكبير بداكار، وإنما تختلف المساحة والملحقات؛ لذا قد يستعذب الزائر الموريتاني النظر إلى نسخة داكار ويأنس بها.

التناوب المكاني

“الحاجة تفتق الحيلة” قول عربي مأثور تذكرته مرارا حين رأيت الاستخدام المتعدد لأمكنة في قلب العاصمة دكار؛ فمثلا يشغل الباعة رصيف المسجد المجاور طيلة النهار، وبعد المغرب يتجمع الصغار عليه يتلون قصار السور تحت إشراف معلمهم، فإذا أخلوا المكان عشاء عمره لاجئون أو متشردون قيل إنهم من إحدى دول الجوار.

أصحاب مخزن مجاور أيضا يكدسون معروضاتهم عند مدخله، فإذا هموا بالرواح أدخلوها فجاءت بائعة الطعام بقدورها وآنيتها ومقاعدها الخشبية فأقامت مطعما في المكان ذاته، فإذا فرغت من شأنها أجادت غسل المكان وتنظيفه فنصب الحارس قبته فيه ونام.. وهكذا.

معروضات شتى

هنا تجد كل ما يخطر على بالك وما لا يخطر عليه، محمولا بالأيدي أو معروضا في الشوارع وعلى الأرصفة؛ بدءا من الفُرُش والنعال والملابس، مرورا بالأجهزة الألكترونية، واللحم المشوي، والعلاجات النباتية، والمُرَكَّبات الصيدلية.. إلخ، وانتهاء بما لا يحسن ذكره، وعندما تدعو الضرورة لتصويره (ضمن غيره) تدعو الحصافة لطمسه من الصورة. لكن مما يثلج الصدر أن الباعة على الأرصفة حين ينصرفون إلى منازلهم للمبيت أو قضاء نهاية الأسبوع يكتفون بتغطية بضائعهم ويمضون لشأنهم إلى أن يعودوا دون أن تمس بضائعهم. هكذا الأمر في شارع فيديرب بمنطقة “ابلاتو” بقلب المدينة على الأقل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى