
لفت انتباهي حديث الوزير السابق عبد العزيز ولد الداهي خلال مداخلته في منتدى:
«موريتانيا والذكاء الاصطناعي.. أي مستقبل؟»
فقد ركّز على نقطتين بالغتي الأهمية في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي:
الأولى تتعلق بنشر اللوائح الانتخابية التي تحتوي على معلومات شخصية للمواطنين، كالاسم الكامل وتاريخ ومكان الميلاد، وهي معطيات تستحق فعلًا نقاشًا جادًا حول حدود نشرها وضرورة حماية الخصوصية.
أما النقطة الثانية فتعلقت بتحكم شركات الاتصال واطلاعها على تحركات المواطنين ومكالماتهم والبيانات المرتبطة باستخدامهم اليومي، مع التساؤل المشروع حول كيفية استخدام هذه المعطيات وحدود الرقابة عليها.
وبالنسبة لبقية الإشكالات المرتبطة بالبيانات الشخصية والرقمنة، فهي أصبحت اليوم واضحة من خلال التطبيقات الرقمية التابعة لبعض القطاعات الحكومية، وكذلك التطبيقات البنكية، حيث أصبح الوصول إلى كمّ هائل من المعلومات مرتبطًا بمعرّفات رقمية موحدة.
وقد سمعت هذا الطرح والاستشكال أكثر من مرة من عند المهندس أحمد محمد فال، الذي أعتبره من العقول الوطنية الاستثنائية التي لم تنل ما تستحقه من التقدير.
فهذا الرجل لعب، على مدى أكثر من ثلاثين سنة، أدوارًا كبيرة في نجاح مشاريع وطنية كبرى داخل القطاع الخاص، وكان من أوائل من استوعبوا مبكرًا أهمية الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة في تطوير الإدارة والخدمات.
ويكفي أنه يُعتبر أول مهندس موريتاني تفوز مؤسسته في تاريخ البلاد بمناقصتي إنشاء نظام الحالة المدنية غير القابل للتزوير سنتي 2001 و2010، بالشراكة مع الشركة الفرنسية SOGEM وشركات دولية أخرى، وهو إنجاز وطني كبير في مرحلة كانت فيها هذه التقنيات معقدة وحديثة جدًا على المنطقة.
كما أن المهندس أحمد محمد فال كان أيضًا من أوائل من قدّموا فكرة التطبيقات البنكية الحديثة في موريتانيا قبل سنوات طويلة من انتشارها الحالي، غير أن بعض البنوك رفضت المشروع حينها، قبل أن تأتي نفس الأفكار لاحقًا ويُعاد تقديمها من أطراف أخرى فتُقبل ويتم العمل بها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد قدّم الرجل مشاريع وأفكارًا استراتيجية عديدة سبقت عصرها، لكن المؤسف أن كثيرًا منها كان يُرفض في البداية، ثم يُكتشف بعد سنوات أن البلد كان في حاجة ماسة إليها.
إن بعض الكفاءات الوطنية لا ينقصها الذكاء ولا الرؤية، بل فقط من يثق بها ويمنحها المكانة التي تستحقها.
ولو أن خبرة وكفاءة المهندس أحمد محمد فال تم استثمارها من طرف أشخاص مخلصين لهذا البلد، لكان بلا شك من صُنّاع القرار التقني والتنموي، ولأسهم في إحداث قفزة كبيرة لموريتانيا في مجالات الرقمنة والإدارة والتكنولوجيا والخدمات الحديثة.
إن الأوطان تتقدم حين تُنصف عقولها وتُمنح الكفاءات الحقيقية فرصة القيادة والإبداع.


