مقالات

قانون الرموز وجدل الحرية والمسؤولية

د. سيد أعمر ولد شيخنا

في بلد يخطو نحو عتبات الترسيخ الديمقراطي، ويتنادى مجتمعه السياسي للتشاور الموسع، من أجل تحقيق إجماع وطني حول القضايا الأساسية وتتويج ذلك التشاور المرتقب بالتوافق على إصلاحات جوهرية، تعزز مسار بناء دولة القانون والعدالة والمساواة، تبرز من جديد مع “قانون حماية الرموز الوطنية وتحريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن”، إشكالية المواءَمة بين الحرية والمسؤولية، وتباين الرؤى السياسية في الموقف من هذه القضية، وآليات الحسم الديمقراطي فيها.
إن الحرية بمفهومها العام تمثل الدعامة الأساسية في المنظومة الحقوقية، وهي إحدى أهم المقومات الرئيسية في الحياة الديمقراطية، ومجتمعنا الموريتاني يتميز بتشبثه الفطري بالحرية بفعل مواريث ثقافية وسياسية وتاريخية متشابكة، ولكن الحرية لا تثمر فوائدها الجمة إلا في مناخ من المسؤولية التي يحددها القانون، فَحَقُّ التمتع بالحرية يجب أن يواكبه تحمل المسؤولية كالتزام ناتج عن التمتع بهذا الحق.
إن التشبث بالديمقراطية وحماية الحريات الإعلامية هو خيار استراتيجي للدولة الموريتانية، وإن نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شديد الالتزام بصيانة الحريات المكفولة دستوريا، ويحوز وعيا عميقا بأهمية الأدوار التي تضطلع بها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وإسهاماتها في حماية القيم والتقاليد الديمقراطية، وكشف الفساد، والشطط في استعمال السلطة، فالإطار الأمثل لصيانة الديمقراطية وترسيخها، يتمثل في وجود مجتمع مدني كثيف وصارم، يقوم على منظمات مستقلة ووسائل الإعلام ومراكز التفكير، وصحافة ذات اهتمامات شعبية ترفع من وعي المواطن، وتكسر روابط الزبونية، وتتفحص سلوك الحكومة وتضغط من أجل إقرار إصلاحات جيدة في الحوكمة.
ولأن الحرية غير المنضبطة بمعايير عقلانية وقيم مشتركة تمثل قنطرة للفوضى والكراهية والعنف، ارتأت الحكومة المنبثقة عن أغلبية ديمقراطية أن تشخيص الواقع الإعلامي، وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، تجب مسايرته “بوضع قوانين تحمي رموز الدولة، وثوابتها الإسلامية، ومقومات وحدتها الوطنية، من أن تكون عرضة لحملات التحريض والتهييج التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يستغلها المغرضون بطرق تشكل خطرا على النسيج الاجتماعي”.
وقد أكد القانون في ديباجته على احترام ما هو مضمون دستوريا وقانونيا من حريات وحقوق للمواطنين، وأخذ وقتا من النقاش والتعديل والتطوير.
إن التحديات المرتبطة بالشطط في استخدام مساحات الحرية التي تتيحها منصات التواصل الاجتماعي غدا هاجسا عالميا فبحسب موقع “الجزيرة نت”، نقلا عن مجلة “فورين أفيرز”، فقد كشفت “فرانسيس هوغن”، المُبلغة عن المخالفات على “فيسبوك”، لأعضاء مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة استماع خلال الشهر الجاري “أن الحديث الخطير عبر الإنترنت في إثيوبيا قد أدى إلى عنف حقيقي يضر بالناس بل ويقتلهم”، معترفة بأن عملاق وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تفتيت الدولة الإثيوبية، وعلى مدى العامين الماضيين ازدادت حدة الانقسامات في إثيوبيا بسبب انتشار خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع هذا يبقى الاختلاف الديمقراطي في قراءة القرارات والقوانين والمواقف منها أمرا مشروعا بل ظاهرة صحية، فمن حق الأغلبية داخلَ البرلمان أن تتبنى القوانين التي تعتبر الحكومة أنها تحقق المصلحة العامة وفق رؤيتهم وتقديرهم، ووجود معارضة تجادل وتعترض على ما تعتبره مساسا بالحريات يعد أمر مقبولا في النظام الديمقراطي، ولكن الفيصل في النهاية هو الحسم الديمقراطي بالتصويت، وليس من الديمقراطية في شيء أن تأخذ حقك في الحديث والنقاش والاعتراض ثم تنسحب عند التصويت.
ويبقى المهم في المرحلة القادمة مراقبة تطبيق “قانون حماية الرموز الوطنية وتحريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن”، بعد إقراره والعمل على التنزيل الآمن له بعيدا عن الشطط، حتى يؤدي القانون المذكور هدفه في دفع الضرر عن المجتمع والدولة وحفظ المكتسبات الديمقراطية، ويبقى الأهم هو الحفاظ على روح التوافق الوطني والتشاور الديمقراطي والابتعاد عن مناخات التوتير والحدية والاستقطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى