موريتانيو المهجر

المركز الثقافي الموريتاني بداكار.. امتداد مبشر لتاريخ مجيد

محمدُّ سالم ابن جدُّ (من داكار)

لعل من نافلة القولِ القولَ إن بين شعبي موريتانيا والسنغال جوارا حتميا نسجه التاريخ والجغرافيا، والحديث عن العطاء الروحي المتبادل، وإن شابته نواقص غير سائغة؛ فهنا (في داكار) مراكز ثقافية ذات دوافع ومشارب شتى؛ بعضها يقصر اهتمامه على الأطفال، والبعض عام، أقامتها دول كفرنسا وإيطاليا وتركيا وإيران وبريطانيا والولايات المتحدة.. إلخ، بله البعثات التنصيرية، لكن حتى الأمس القريب لم يكن هنا وجود موريتاني مماثل! بينما المفروض أن يحافظ الموريتانيون على إرثهم التليد؛ ففي السنغال كان أغلب متاجرهم وتجارهم وزوارهم بمثابة مؤسسات تعليمية.

ظل الأمر كذلك حتى أقامت بلادنا مركزا ثقافيا ملحقا بسفارة بلادنا في داكار، وقد كانت لي زيارة إليه شرفت خلالها بالحديث إلى مديره السيد سيدي محمد ولد امينوه الذي أدين له بما أسوقه من معلومات عن هذا المركز؛ والذي أشكره، كما أشكر طاقم السفارة، وبالأخص الأستاذ الديماني ولد محمد يحيى رئيس مصلحة الإنعاش الثقافي والتراث بالمركز، الذي مهد لهذا اللقاء الطيب.

 

مركز يتيم

في عام 1961 كانت بموريتانيا – الدولة الوليدة- ثلاثة مراكز ثقافية، وفي عام 2014 لم يكن يوجد في العالم كله مركز ثقافي موريتاني! بينما المفروض أن تكون مراكزها الثقافية بعدد سفاراتها أو تزيد؛ فلديها ثروة هائلة يمكن أن تعطي منها عطاء من لا يخاف الفقر، وكثيرا ما كانت السفارة الثقافية (أو الدبلوماسية الناعمة) أقدر على التغلغل من الدبلوماسية التقليدية.

وفي عام 2015 بدأ إنشاء مركز ثقافي موريتاني في مبنى ملاصق لسفارتنا بداكار، ودشن في العام التالي (2016) وكانت انطلاقته الفعلية سنة 2018، فكان بذلك المركز الثقافي العربي الوحيد هنا؛ عدا عن كونه المركز الثقافي الموريتاني الوحيد.

يتكون مبنى المركز من طابقين يحويان عدة قاعات وغرف، ويتألف من مكتبة ورقية تضم 1800 كتاب، وأخرى رقمية، ومتحف، وقاعة محاضرات ذات تجهيزات حديثة، تسع 100 شخص، وقسمين للتكوين في المجال اللغوي، يستوعب كل منهما 20 شخصا، في دورات مدة كل منها 21 يوما للمبتدئين والملمين. كما يقدم المركز تكوينا للأئمة وغيرهم في تجويد كتاب الله، وفي المعلوماتية، وقد خرّج حتى الآن 10 أشخاص في مجال التجويد، و7 في مجال المعلوماتية.

خدمات قد تكون قليلة في كمها، لكنها كثيرة في كيفها؛ خصوصا وأنها مجانية حيث لا شيء مجاني.

للمركز أيضا ساحة داخلية تناسب الحفلات والأنشطة المشابهة.

 

الأهداف

  1. إحداث قطب إشعاع للتبادل الثقافي بين البلدين الشقيقين.
  2. التعريف بموريتانيا من خلال تاريخها.
  3. ترقية التبادلات الثقافية بين موريتانيا والسنغال.
  4. العرض المستمر للإنتاج الثقافي والاثنوغرافي والحرفي.
  5. إنشاء مكتبة متعددة التخصصات، وأخرى خاصة بالمؤلفين الموريتانيين.
  6. تنظيم المحاضرات والأنشطة الفنية دوريا.
  7. ترقية الموسيقى الموريتانية بمختلف أشكالها.
  8. تنظيم أسابيع ثقافية.

يتم كل هذا من خلال مصلحتين:

– مصلحة الإنعاش الثقافي والتراث.

– مصلحة المكتبة والأرشيف.

تعاون

يتعاون المركز أيضا مع الشعب والمؤسسات والمشيخات في إطار رسالته وإمكاناته، ويرتاده أحيانا ما يفوق طاقته، من كبار يحرصون على تعلم لغة القرآن ليتاح لهم فهم الكتاب والسنة والتراث الهائل الذي أنتج بلغة الضاد، وطلاب يسعون للتقوية، وباحثين في العلوم الشرعية أو اللغوية، ويشتد الإقبال على خدمته العربية بالمقارنة مع تلك الفرنسية، للحاجة إليها هنا ومكانة العربية في نفوس الشعب السنغالي وتقديره للعرب عموما، والموريتانيين خصوصا.

 

تاريخ

لقد عاش هذا الشعب بمختلف فئاته قرونا يعتمد على الحرف العربي في الخط، وبه عَلّم معلموه وتعلم متعلموه وبه تواصَل أفراده كتابيا في مختلف مآربهم، ودونوا التزاماتهم. وقد ربَطَ المحتل الفرنسي المنافع المادية بلغته للإقناع بها والتنفير من لغة القرآن العظيم. وحين أصدر أول عملة مصرفية تعرفها هذه البلاد بشكل رسمي لجأ إلى كتابة بياناتها بالولفية وبالحرف العربي من أجل إقناع السكان بها.

وقد برز هنا شعراء وعلماء لا يقلون شأنا عن نظرائهم العرب، ومن أبنائها من فاز في مسابقات عربية إقليمية وعالمية، ولا عجب، فالعلم لا يعترف بالتصنيفات الفئوية، ولذا نجد خمسة من القراء السبعة وبعض كبار أئمة الحديث غير عرب، ومن مشاهير شعراء العربية إسماعيل بن يسار وهو فارسي، وعلي ابن جريج، وهو من أب رومي وأم يونانية؛ ولذا عرف بابن الرومي، ومن ثقات المؤرخين ياقوت الحموي، وهو رومي أيضا.. والقائمة طويلة.

.. وحاضر

في اتييس (كيص) برز معهد زراعي سنة 2015 أقامه 700 مهندس سنغالي تخرجوا من جامعات الدول العربية، والتدريس في هذا المعهد باللغة العربية، وقد اعترفت به الدولة السنغالية، ومن كبار أطر الدولة السنغالية من تلقوا تعليمهم باللغة العربية، وخلال لقائي مع مدير المركز الثقافي الموريتاني في داكار كان في الانتظار مدير مؤسسة تربوية يتلقى فيها 600 طالب تعليمهم باللغة العربية.

بقي القول إني حينما زرت المركز كان في عطلة تستمر إلى الثاني من يناير 2022 لذا لم يكن به رواد أتحدث إليهم؛ وهو ما قد يكون ثغرة في هذه المادة، لم أتمكن من سدها، لكن “ما لا يدرك كله لا يترك كله”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى