مع شاي الصباح

مع شاي الصباح (خلف جدران الصمت!)

أحمد سالم ولد باب

أثبتت الصحافة وهيئات المجتمع المدني والرأي العام نجاعتَها في دول كثيرة في ميدان الرقابة، وكشف الفساد، وكبح جِماح التسلط.

وأصبحت مقاربات مكافحة الفساد تفرض إشراكَها في رسم خطط مكافحته، وتمثيلَها في هيئات محاربته.
ورغم ترسانة المؤسسات الرقابية الضخمة التي تتمتع بها البلاد على مستويات مختلفة، إلا أن المؤسسة العسكرية بقيت عَصِيَّةً على مساءلتها ورقابتها، أما الصحافة التقليدية فكانت تُقابل بتحذير حازم كلما حاولت الحديث عما يجري خلف جدران الثكنات.

لكن طوفان وسائل التواصل الاجتماعي الجارف كسر حواجز الصمت التي أحاط بها العسكريون مؤسساتهم، فتحدثت عما يجري فيها، ابتداء من معاملة الجنود، وانتهاء بصفقات التسلح الضخمة.

ومن المؤكد أن بعض ما تداولته هذه الوسائل في هذا الموضوع يجافي الحقيقة، لكن تَنَائِيَ المؤسسة العسكرية وتَعَالِيَهَا على هيئات الرقابة الدستورية والقانونية فتح الباب واسعا أمام خوض المدونين في تسيير ميزانيات الجيش وصفقاته وترقياته وغير ذلك، فَسَدُّوا فراغا وأَشْبَعُوا حاجة لدى الرأي العام في هذا الجانب.

يتميز واقع الإعلام الجديد بأمرين: امتناع حجب المعلومات، وتَعَذُّر إسكات الناشطين فيه، وقد شُبِّه الساعي لذلك بالمرأة التي أغلقت الحظيرة على الغربان فطاروا من فضائها، لذا صارت السياسة الأمثل للتعامل مع الإعلام “أن تحدث الناس عن نفسك، قبل أن يتحدثوا عنك”.

ولا يعني ذلك طبعا إغراقُهم ببيانات خشبية، لا يمت مضمونها إلى الحقيقة بصلة، بل يعني شفافية الوصول إلى المعلومات وانسيابيتها، وإفساح المجال لرؤية الإنجازات كما هي، فسيقدرها الناس حق قدرها متى استحقت ذلك.

وهو يعني كذلك أن تخضع المؤسسة العسكرية لرقابة الهيئات المخولة لذلك دستوريا وقانونيا، والتخلي عن منطق “دولة داخل الدولة”!

تابع المراقبون تعهدَ القائد الجديد للأركان العامة للجيوش، في خطاب تنصيبه، بالمحافظة “على التجهيزات والمعدات الفردية والجماعية، وترسيخ مفهوم الأسرة الكبيرة، التي توفر لمنتسبيها – ضباطا وجنودا – الوسائلَ اللازمة لتمكينهم من مواكبة متطلبات الخدمة العسكرية، وتُؤمن لهم النقلَ والخِدْمَات الصحية والإعاشة النوعية، وتحفظ لهم مظهرا يليق بشرف الجندية”.

ووَدَّ كثيرون أن يُوفق الرجل في علاج تلك الأَدْوَاءِ التي تعانيها المؤسسة، بعد أن أصاب بعض الإصابة في تشخيصها.

انحرف الموظف الحكومي والعسكري عن سَواء السبيل منذ أن بدأ يرى وظيفته وسيلةً إلى الثراء السريع والجاه العريض.

والحق أن الوظائف الحكومية والعسكرية لم تكن يوما طريقا إلى الثراء، إلا في البلدان التي باض فيها الفساد وفَرَّخَ، وما أكثر ما وُصِفَتْ تلك الوظائفُ بأنها وصفةٌ ناجعة للفقر، وطريق سَالِكٌ إليه، خاصة منها تلك التي يمنع القانونُ صاحبَها من مزاولة عمل خاص، أو تلك التي تقتضي طبيعتُها التفرغَ لها.

ويبين حوار ساقه الوزير السعودي الشاعر، غازي القصيبي، في كتابه “حياة في الإدارة”، كيف كان الناس ينظرون إلى وظائف الخِدْمة العامة، وهي نظرة لا تختص بمجتمعه، بل كانت سائدة إلى وقت قريب في مجتمعنا.

أبدى الشاعر رغبته في إكمال الدراسة، فسأله والده:
“- لم لا تعمل معي ومع إخوتك في التجارة؟
– أعتقد أنني لا أصلح لها.
– وماذا تنوي أن تفعل بعد الدراسة العليا؟
– أنوي الالتحاق بالخدمة العامة (الوظيفة العمومية).
أطرق الأب يفكر قليلا ثم سأل:
– تنوي أن تعمل موظفا حكوميا؟
– نعم.
– هل تعرف المصير الذي ينتظر موظفي الحكومة؟
– لا.
– الفقر أو السرقة!
– أرجو ألا أفتقر، ولا أنوي أن أسرق.
– أنت وشأنك”.

ليس من الظلم للموظف المدني أو العسكري أن يُساء به الظن إذا رِيءَ يركب المراكبَ الفارهة، ويسكن القصور الفخمة، ويُكَدِّس الأرصدة الهائلة، مما لا يستطيع تحصيله بوظيفته، ولو بقي فيها ألفَ سنة إلا خمسين عاما!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى