مع شاي الصباح

مع شاي الصباح (لكنَّ اللهَ يعرفهم!)

أحمد سالم ولد باب

لما حَمَلَ رسولُ الفاتحين إلى عمر رضي الله عنه بِشَارةَ فتح فارس، سأل الرسولَ: من قُتِلَ في سبيل الله؟

فقال الرسول: فلانٌ وفلان وفلان، حتى عَدَّ ناسا، ثم قال: وآخرون لا يعرفُهم أميرُ المؤمنين.

فبكى عمر وهو يقول: لا يَضُرُّهُمْ أَلَّا يَعْرِفَهُمْ أميرُ المؤمنين، لكنَّ اللهَ يعرفهم!

انصرف ذهني إلى هذه القصة أَمْسِ، وأنا أذكر تضحيات رجال “معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية”، الذين كانوا يتجولون في مناطق الضفة وقرى آدوابه، يقيمون فيها الشهر والشهرين، يُلَقِّنُونَ الكبار والصغار مبادئ العلوم الشرعية والعربية.

وقبل سنوات نُعِيَ إليَّ المرحوم محمد عبد الله ولد عم ألمين، أبرز رجال المعهد، في ليلة شاتية ممطرة، من ليالي مارس 2019، ففكرت أنه ذهب إلى الله خفيفَ الظهر من حقوق الناس، خميصَ البطن من أموالهم، مثقلا بزادٍ عظيم من نفعهم وتعليمهم وبذل المعروف لهم.

وقد قلت في نفسي: ما أكثر الذين ضَحَّوْا في صمت وإخلاص، ومَدُّوا جسومهم جسورا تَعْبُرُ عليها شعوبُهم من ظلام الجهل إلى نور المعرفة، لم يذكرهم ذاكر، ولم تُصَوَّبْ نحوهم كاميرا، ولم يوشحهم رئيس ولا وزير، ولم تهنئهم جهة رسمية!

نجح “معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها” بوسائل يسيرة في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه عشراتُ المليارات التي تم إهدارها على “مذبح” محو الأمية وتمدرس بنات الريف، من سِنِي التسعينيات إلى اليوم.

استقبل المعهد، طيلة 25 سنة، أزيد من 30 ألف طالب، أصبح منهم اليوم أُطُرٌ وأساتذة ومعلمون ودكاترة وأئمة وشيوخ محاظر ومبدعون في ميدان الثقافة والفن.

وقد محا الأميةَ الأبجدية والدينية عن أزيد من 200 ألف شخص في مختلف مناطق الوطن، ويمكن لمن يزور محظرة “الركبه” وحدها أن يقابل 70 امرأة تدرجن في دراستهن من تهجي الحروف إلى الحفظ المتقن للقرآن الكريم، وقد تحدثتْ في الحفل، الذي نظمه المعهد بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، بعض النسوة اللاتي درسن في محاظر المعهد الريفية، وهن الآن يُدِرْنَ محاظرَ في انواكشوط وغيرها.

وفي الحفل المذكور؛ تحدث عدد من خريجي المعهد عن تجاربهم إبان الدراسة فيه، وكان من أبرزهم الفائزُ الأول بجائزة مسابقة القرآن الكريم لهذا العام، عبد الرحمن ولد محمود، الذي أكمل حفظ القرآن الكريم في فرع المعهد بروصو، والبرلمانية ياي انضو كوليبالي، خريجة أول دورة لتعليم اللغة العربية في المعهد، والمخرج السينمائي خليفة سي، الذي حصل على جوائز سينمائية محلية ودولية.

حدثني أكاديمي، عاش ثلاثين سنة في كندا، أن الدولة تتكفل بالتمويل الكامل لأي مدرسة خاصة تثبت نجاحها، وهذا أحد الأسباب التي جعلت النظامَ التعليمي الكندي أَحَدَ أَنْجَحِ وأَنْجَعِ الأنظمة التعليمية في العالم.

شهدتُ قبل سنوات ندوة علمية، كان ضيفَ شرفها أكاديمي تركي يحسن العربية، وكانت إحدى جِلْسَاتها عن النظام التعليمي الفريد للمحظرة الشنقيطية، وقد مكث الرجل ساعات يصغي باهتمام إلى مشاركات المتدخلين، فلما أحيل إليه الكلام قال: أعتقد أن نجاح تجربة المحظرة يكمن في أمرين؛ حرية الاختيار وطبيعتها الأهلية!

ولعل هذا ما فهمته الدولة الكندية، حين تركت الحرية للمدارس، ثم لم تبخل بالتمويل على من أثبتت منها جدارتها ونجاعتها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى