مقالات

المختصر المفيد في “أغباد” التلاميد

أحمد سالم بن زياد

اختلاف “أغباد” الموريتاني عن “أغباد” المشرقي يرجع لأمور، من أهمها:
-مخارج الحروف وصفاتها؛
-قوانين النغم؛
-النبر والتنغيم؛
-جمال الصوت.

الغالب على القراء المشارقة إتقان مخارج الحروف وصفاتها، والغالب على قرائنا التساهل.. إن لم يكن في معرفة الأحكام؛ فإنه غالب في تطبيقهم وأدائهم. وإن كان في السنوات الأخيرة بدأ شباب القرّاء تقليدا لتسجيلات مشاهير القراء استعدادا للمسابقات الدولية والإمامة في دول المشرق العربي؛ بدأوا يتحسنون في أداء مخارج الحروف وصفاتها..
ومادام الشيوخ المدرسون لا يعتنون بمخارج الحروف وصفاتها؛ فإن تساهل الطلاب سيظل إلى حين.
دعك من التكلف والتعسف في الحروف التي اشتهر الخلاف فيها، فالغالب أن طرفي الخلاف يتعصب لصوت حرف رابع أو خامس للضاد أو الجيم.. وإنك لو وفقت لأداء جيم أو ضاد فصيحة وسط بحر من الحروف الملحونة؛ فإنك تصبح كمن رقع ثوبه الرث بقطعة أو قطعتين جديدتين مشرقتين..
اشتهر الخلاف حول الضاد والجيم، فماذا عن الثاء والفاء.. حتى الأعاجم يتهكمون على الفاء والثاء الموريتانية.

أما قوانين النغم فهي مذاهب موسيقية، ليس هناك موسيقا أرجح ولا أقوى سندا من غيرها. والراجح أنه على كل أهل بلد القراءة وفق ما ألفه أهله.. غير أن التقليد الذي أسلفناه وفشو القراءة المشرقية وتأثريها على الذائقة السمعية للمتلقين؛ أدخلت بالقوة “أغباد” المشرقي بمدرستيه المصرية والحجازية إلى مألوف أهل البلد وعاداتهم.. وإن كان بعض كبار السن لا يزالون محاظين على “الأغباد” التقليدي ويتعصبون له، ويستنكرون غيره.
أذكر اني قرأت في حضرة الوالد -رحمه الله- مقلدا المشارقة، فقال لي: “ما هذا الغناء؟!” وبعدها بفترة قرأ أحد الطلاب في حضرة شيخنا، الشيخ أحمد الباجوري مقلدا الشيخ القارئ محمد الأغظف، فعاجله الشيخ مستنكرا: إيه، إيه الغُنا داه؟! فقلت للشيخ الباجوري أنك لو قرأت في حضرة الوالد لظنك متغنيا، فكان يعجب من كلامي، ويستعيدني القصة كل حين.

ولكي نخرج على التقليد الذي فرضه ندرة المعلم المتمكن من الأحكام والأداء؛ لا بد من أن نجد مجتهدين متمكنين من الأحكام التجودية أداء، متبحرين في قوانين النغم.. وقد شهد المغرب العربي المشابه لنا منذ القديم في التساهل في الأداء؛ ثورة قرآنية أنتجت قراء نافسوا القراء المشارقة في عقر دارهم بقراءاتهم المشرقية المتقنة، ومنهم من طور قراءة خاصة مغربية مطورة، تحفظ خصوصية المغاربة، وتراعي قوانين التجويد، مثل القارئ الفخم: لعيون الكوشي.. وإن كنا هنا في موريتانيا نفخر بالقارئ الشيخ أحمد بن محمدفال ومدرسته، والتي ظهرت مبكرة في البلد نسبيا، فقد ظهرت أشرطته في التسعينات.. وقد سمعت أن القارئ الدّاهنّ قرأ عليه، وإن كان التأثر به وضاحا. وأعتقد -والله أعلم- أن الشيخ أحمد ولد محمد فال هو أكثر المقرئين براعة في الأداء، خصوصا أغباد الموريتاني المتقن.. ورحم الله الشيخ الشاب الدكتور: محمد ولد مليح، فقد سجل ختمة نادرة، جمعت كل ذلك..
كان جدو ولد الألمين الفالي من أشهر المتصدرين على العلامة قارئ الجنوب الأشهر: محمذن فال ولد بوفره، وكان جدو رحمه الله يقول عن نفسه، أنه زاد على القراء بأن قراءته مزوينه.. في الحقيقة، إن من أدركتهم ممن تخرج أودرس في مدرسة الشيخين مميزون جدا في أدائهم، ويشعرونك بأنهم يقرأون على رواية ورش بإتقان، وإن لم تسلم قراتهم من ملاحظات؛ إلا أنها تظل الأقرب إلى القراءة الصحيحة..

كذلك الحال في النبر والتنغيم فهما علمان مستحدثان تصنيفا، وليس لهما سند متصل بالرعيل الأول.. فهما من صميم عادات الشعوب ومألوفهم.. وإن كان المصريون هم أول من سجل وبث الختمات القرآنية وفق المعهود عندهم نبرا وتنغيما؛ فهم كذلك أول من بحث وصنف في الموضوع، بمبادرة من عبقري زمانه: الدكتور تمام حسان في وسط القرن الماضي..
نحن في موريتانيا القطر لا نتفق على مذهب واحد في النبر والتنغيم، بل إن المنطقة الواحدة لا تتفق على طريقة واحدة في النبر والتنغيم.. مما يجعلنا نعجز عن اعتماد مذهب واحد فيه، بله أن نتعصب لطريقة فيه أو مذهب.. وقد دخل إلينا مذهب المشارقة في النبر والتنغيم مع القراءات المسجلة.. فكنا تبع لأساتذتنا في المشرق لما سبقونا به قديما وحديثا من مهارة في الأداء.

والنبر والتنغيم يعبر عنهما “بتلوين الكلام”، أو :النغم المفهم”، وهو المقابل الشفهي لعلامات الترقيم في الكتابة، وبه نميز الجملة الاسمية من أختها الخبرية، ويتميز التعجب من الاستهمام والاستنكار… يمهر فيه القراء والصحفيون وأهل المسرح والشعراء..
والمؤدي الجيد قد يعطي للجملة الواحدة عشرات المعاني.. وبه يفسر قولهم: إن قراءة الحصري رحمه الله مفسرة. وتظهر هذه المقالة عند من أطال الإستماع للحصري وغيره من المشارقة، حتى يفهم أسرار قراءتهم..

جمال الصوت منه الجبلي، ومنه المكتسب بالدربة الدائبة، وقل أن يحرم منه مجود بالكلية. والشعوب تتباين في استحسانها للأصوات تباينا محيرا، وقد يختلف أبناء الشعب الواحد على معايير جمال الصوت، وقد رأينا العجب في زماننا هذا من تخالف الأذواق وتنافرها. وهذا القسم متداخل مع القراءة بالنغم حتى كأنه هو عند قوم، وإن تباين عنه عند من يحرمون القراءة بالأنغام مطلقا.. ولا خلاف على سنية تحبير الرجل حسنة الصوت بالقرآن..
ومن البديهي أن نقول أن اختلاف الناس حسب هذا المعيار هو أيضا اختلاف عادات، لا يرجح قراءة عن قراءة، ولا اغباد عن غيره..

خلاصة: يحسن بالقارئ الموريتاني المحترف؛ أن يكون ماهرا في الطريقتين أو الأغبادين.. وإن عجز عن ذلك فليقدم وجوبا الطريقة التي تمكنه من أداء ماعلم وأمكنه من الأحكام التجويدية.. وإن كان الأرحج قراءة القارئ بالأغباد المحلي؛ إن علم أن المصلين يحبون ذلك، حتى لا يشوش على الناس. فرسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يغير عادة قوم إلا إذا خالفت الشرع، وكذلك فعل الصحابة مع الشعوب التي فتحوا بلادها..

أما غير أهل الفن من العامة، فعليهم بالتأدب بأدب الله، وأن يتقبلوا القرآن أنى قرئ.. فلم يعد العصر عصر الإنغلاق ولا عصر الطريقة الواحدة، فكما تساهلوا في تقبل وافد العادات الشرقية والغربية والمغربية والإفريقية؛ مأكلا وملبسا وسماعا؛ فعليهم تقبل تغير العادات القرآنية، أحرى إن فرضها الاتقان على القرآء.
عندما فرضت إذاعة القرآن اعتباطا “الأغباد” الموريتاني، سجل لها المرحوم، الدكتور: محمد ولد لمليح ختمته الشهيرة، وقد تورمت رقبته ومرض أثناء تسجيلها، لأنه لم يكن متعودا عليها. وهو القارئ المتمكن، الفائز في مسابقات دولية. وقد تأخر القارئ المتقن ندي الصوت: محمدسالم ولد زين عن تسجيل ختمته، لأنه رفض أن يسجل ختمة بعيدا عن الطريقة التي تعود عليها.. وأظنه سجل ختمة: “معلم القرآن”.

ورغم الثورة القرآنية التي أحدثتها إذاعة القرآن؛ إلا أن هناك ختمات سجلت لقراء لم يكونوا وقتها متمكنين، يجب أن تحذف أو يسجل مكانها قراءات جديدة.. هناك تساهل كبير ومحسوبية في لجنة مراقبة الختمات وطريقة اختيار اللجنة.. وكذلك طريقة اختيار مدرسي التجويد وتصحيح التلاوة.. الأمر أكبر من المحسوبية وطرق التكسب، لأن هذا الأمر دين، إن هذا الأمر دين..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى